© UNICEF/UNI162757/Ali

 

لم نكن نعتقد أنه من شأنه أن يضر بنا: "فهم تأثير الهجمات على المدارس في سوريا

يبحث هذا التقرير في موضوع الهجمات على المدارس في سوريا من عدة زوايا: الآثار القانونية لمثل هذه الهجمات والتأثير اليومي على الطلاب والمعلمين والعائلات والمجتمع ككل. التقرير هو نتيجة مشروع انقذوا المدارس السورية، وهو مشروع تعاوني بقيادة ١٠ من منظمات المجتمع المدني السوري.بالتعاون مع المركز الدولي للعدالة الانتقالية الذين يطالبون بإنهاء قتل الأطفال السوريين وتحقيق العدالة حيال قصف المدارس

قم بتنزيل التقرير الكامل باللغة الإنجليزية
قم بتنزيل التقرير الكامل باللغة العربية

الملخّص التنفيذي

"لقد تغيّر كلّ شيء"، تلك هي كلمات تلميذ يتحدّث عمّا حدث في أعقاب تعرّض مدرسته لهجوم أودى بأرواح شقيقه وبعض أصدقائه، وغيّر حياته إلى الأبد. وهو يعملُ، حاليًا، في مشغل للخياطة لأنّه ما عاد يحتمل الذهاب إلى المدرسة مثقلًا بذكريات ذلك اليوم وبذكرى الأشخاص الذين فقدهم. وليست قصّتهُ سوى واحدة من جُملةِ قصصٍ عن أطفالٍ تبدّلت حيواتهم تبدّلًا نهائيًا نتيجة هجمات على مدارسهم، وفقدهم الأحبّة ، وسلبهم الطفولة والبراءة والفرص كذلكَ الأمر. ولعلَّ الأسوأ ممَّا تقدَّمَ هو أنّ التغيير لم يقتصرْ عَلى حيواتِ الأفراد فحسب، ذلكَ أنَّ اتّساع نطاق الهجمات على المدارس في سياق الصراع الوحشي الذي تشهده البلاد، فرّقَ شَمْلَ الأسر، وخلّف آثارًا خاويَةً تُخبِرُ عن مجتمعاتٍ كانت تنبضُ بالحياة، وغيّر مستقبل المجتمع السوري على حدّ سواء.

ينظُرُ التقرير المعنون "لم نتوقّع أبدًا أن نُقصف: الإحاطةُ بآثار الهجمات على المدارس في سوريا"،في الهجمات على المدارس من أكثرَ من منظارٍ: بدءًا من التداعيات القانونيّة المُترتبة عن تلك الهجمات وصولًا إلى تأثيرها اليوميّ في حيوات التلاميذ والمعلّمين والعائلات والمجتمع ككلّ. ولا تتركُ النتائجُ التي تمّ التوصّل إليها مجالًا للشكّ في أنَّ آآثار الهجماتِ كثيرةٌ جدًا وواسعة النطاق، وفي أنَّ معالجتها تتطلّبُ عقودًا من الزمن، في أحسن الأحوال. وفي طبيعة الحال، لا يُمكنُ عمليّة من هذا النوع أن تبدأ فعليًا إلّا بعد توقّف أعمال العنف المستمرّة في حقّ المدنيّين السوريّين وبعدَ اتّخاذ تدابير فعليّة من شأنها التّصدي للمسار التصاعدي السريع الذي شهدته البلاد وتحوّلَ من القمع إلى الاحتجاجات السلميّة وصولًا إلى النزاع المسلّح الوحشي وذلكَ ردًا على تلك الاحتجاجات.

استغرق إعداد هذا التقرير سنوات عدّة، وقد شغلت عملية صياغته بحدّ ذاتها حيّزًا لا بأسَ به. فقد بدأ العمل على التّقرير عندما قرّرت إحدى عشرة منظّمة - عشر منها سوريّة وواحدة دوليّة – أن تضافرَ جهودها للتوصّل إلى سبيلٍ يؤولُ إلى مواجهة الشعور المتنامي بالتّعبِ الذِّي ينتابُ الناشطين السوريّين نتيجة توثيقهم انتهاكات حقوق الإنسان التي لا تنتهي وتزداد فظاعةً أكثر فأكثر ونتيجة الوعود التي تُقطعُ بالعمل والمحاسبة ثُمّ تُنكثُ. ففي بداية النزاع، سارعَ هؤلاء الناشطون، وغيرهم من الجهات الفاعلة في المجتمع المدني، إلى تشكيل الائتلافات فَوَضعوا الاقتراحات الآيلة إلى إرساءِ العدالة الانتقالية كما أعدُّوا خرائِطَ الطّريق لمرحلة ما بعد النزاع. هذا وقد انكبَّ النَّاشِطون على توثيقِ الانتهاكات، وكانَ الباعِثُ على ذلكَ هو إيمانهم بأنّ النزاع سينتهي قريبًا، وأنّ مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان سيُسَاقُونَ فورًا إلى العدالة. إلّا أنّ الواقع لم يكن كذلك، ومَا كانَ مِن النزاع إلَّا أن اِشْتَدَّ حدَّةً عامًا بعد عام، وتعقَّدَ أكثر فأكثر بعدَ أن اِنخرطَتْ فِيه أعدادٌ متزايدةٌ من الجهات، أكثرُهَا من خارج سوريا.

لم يُثن التَّعبُ المنظّمات الإحدى عشرة عن مسعاها، وبعد سلسلة من الحوارات والمشاورات المتأنية مع مجموعة واسعة من الأطراف المعنية في المجتمع المدني، قرّرت المنظّمات آنفة الذّكرِ أن تَتكاتفَ للعمل على مشروع مشترك – أُطلق عليه اسم مشروع "أنقذوا مدارس سوريا". وهوُ مشروعٌ يرمي إلى أن يُؤلِّفَ بَينَ نقاط القوّة المختلفة التِّي تَتَّسِمُ بها كُلُّ منظّمةٍ من المنظّمات المُنضوية إلى فريق العملِ وأن يُعزّزها على حدٍّ سواء. وَتتنوّع هذه القدرات لتشمل سرد القصص والمناصرة، وإقامةَ شبكات واسعة النَّطاقِ وعالية المصداقية، مؤلّفةٍ من الموثّقين الميدانيين، بالإضافة إلى حيازةِ محفوظات تزخُرُ بِمعلومات قيّمة جدًّا. وقد نتجَ من تكاتفِ المُنظّماتِ هذا، تقريرٌ يسلّط الضوء، الذِّي لطالما ألحَّتِ الحاجَةُ إليه، على أصوات سوريّين تضرّروا بأشكال مختلفة من الهجمات على المدارس، ويلفت التَّقريرُ الانتباه إلى الانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان المُرتِّبة عن أعمال التدمير هذه. أمَّا البَاعِثُ الأساسيُّ على المُضِيّ في هذا العمل المُخلِص الذي امتدَّ طوال عامٍ ونصف العام، فيكمُنُ في الرغبة، أولًا، في وضع حدّ لأعمالِ العنف، وثانيًا، في ضمان الإحاطةِ التَّامَّة بالأضرار الناجمة عن النزاع، بحيث لا يُترك أمام الجهات الفاعلة الوطنية والدولية سوى خيار معالجة هذه الأضرار من خلال عمليّة دقيقة ومستنيرة لإحقاق العدالة والإقرار بالمسؤوليات وتحقيق الإنصاف والإصلاح على حدّ سواء.

تستند النّتائجُ المدرجة في التقرير إلى مصادر عدّة: وهي عبارَةٌ عن مجموعِ ما توفّرَ فِي حوزَةِ المنظّمات الأعضاء من قواعد بيانات ومحفوظات تفصّل الهجمات الفرديّة على المدارس وتوفّر معلومات عن أساليب الهجوم، ومواقعه، وأسماء المدارس، وأعداد الضحايا، والمرتكِبين المحتملين، وغير ذلك من المُعطيات، بالإضافة إلى البحوث المكتبيّة الدقيقة، على أنَّ الأولَوِيَّةَ تُولَى للبحوث والمنشورات وغيرها من المصادِر التّي أتت بها المنظّمات الأعضاء وكذلك المقابلات الميدانيّة ونقاشات مجموعات التركيز التّي أُجرِيت وجهًا لِوجه مع التّلاميذ والمعلّمين وموظّفي المدارس والأهالي والمسؤولين المحلّيّين في المجتمعات المتأثّرة بالهجمات على المدارس.

نطاق المسألة

قامت المنظّمات المشاركة في العمل على مشروع "أنقذوا مدارس سوريا" بجمعِ الوثائق المتوفّرة لديها، فأحصت وقوعَ1292 هجومًا على المدارس ما بين العام 2011 ومنتصف العام 2017. وقد وُثِّقَت هذه الأعداد توثيقًا مُتفصّلًا وهي منطقيّةٌ وغير مُبالغٍ فيها؛ فقد أصدرت الأمانة العامة للأمم المتحدة تقريرًا في نهاية العام 2014 يفيد بأنّ 4072 مدرسة قد أقفلت أبوابها، أو تعرّضت للضرر أو باتت تستعمل كمأوى. وتشير تقديرات أخرى إلى أنّ مدرسةً من أصل ثلاثِ مدارس في سوريا لا تعملُ حاليًا، سواءً لأنَّها مُدَمَّرَة، أو اتُّخِذَت مراكزًا للنازحين، أو أُعِيدَ استعمالها لأغراض عسكرية، وهو الأمرُ الذِّي يرفع الأعدادَ المذكورة آنفًا أكثرَ بعدُ.

هذا وقد أثّرَ كُلٌّ من الهجمات على المدارس والنّزاع بشكلٍ عامٍّ تأثيرًا بالغًا في مستويات تعليم السوريّين: ففي العام 2012، أي بعدَ مُرورِ عامٍ على بدء النزاع، سجّلت نسبة التّلاميذ الذين التحقُوا بالمرحلة الثانويّة تراجعًا عن العام الذي سبقَهُ، بحيث تدنّت من 98 في مئة إلى ما لا يزيد عن 57 في المئة ، وفي العام الدراسي 2015 - 2016، لم يلتحق ما لا يقلّ عن 2.3 مليون طفلٍ سوري، داخل سوريا وفي البلدان المجاورة ، بالمدرسة، أمّا اليوم، فلا يزال 1.3 مليون طفلٍ سُوريّ يُواجهونَ خطر التسرّب من المدرسة .

عندَ النظر بِتجرّد إلى العنف والأذى اللّذين ألمَّا بالأطفال السوريين، يتبيَّنُ أنَّ النِّزَاعَ يتّخذُ طابعًا وحشيًّا. فقد أظهر تقريرٌ صادرٌ مؤخرًا من إعدادِ باحثين في بلجيكا أنّ عامِلَيْن يسمانِ النزاع السُّوريّ هُما ضخامة أعداد الأطفال المتأثرين بالعنف، والطريقة التي وقع بها هؤلاء الأطفال ضحيةً للنزاع. أمّا حصيلَةُ القتلى فَمُرْتفعَةٌ وصاعقة ، وقد أشارَت دراسةٌ مبنيَّةٌ على البيانات التي قدّمها مركز توثيق الانتهاكات في سوريا (VDC) إلى أنّ وفيّات المدنيّين تُشكِّلُ 70.6٪ من العدد الإجمالي لحالات الوفيات المُترتبة عن أعمال العنف والمرتبطة بالنزاع. هذا ويُقدِّرُ مركز توثيق الانتهاكات في سوريا حصيلة القتلى الأطفال بِحوالى 19555 طفلًا، وذلكَ بين مطلع العام 2011 وكانون الأول/ديسمبر 2016.

النّتائج القانونيّة

أُجري تحليل قانونيّ شاملٌ بناءً على الأطر القانونية المعمول بها لتطبيق القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، واستنادًا إلى سبع دراسات حالات تخصُّ هجمات محدّدة. وتسلّط دراسات الحالات هذه الضوء على الانتهاكات الجسيمة للالتزامات التي تُطبّقُ بموجب القانون الدولي لحماية الأطفال والمدنيين في النزاعات المسلحة، بما فيها تلك الواردة في البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة، بالإضافة إلى اتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 آب/أغسطس 1949 وبروتوكوليها الإضافيين المؤرخين في 1977. يُذكر أنّ الهجمات التي اختارها فريق العمل قد حظيت، غالبيّتها، بتغطية إعلاميّة جيّدة، ويُعزَى السبب الرّئيس في ذلك إلى طبيعتها المروّعة. هذا وقد أدانت الجهات الدوليّة علانيّةًهذه الهجمات واعتبرت أنّها تشكّلُ انتهاكات لحقوق الإنسان. أمّا الأولوية فقد أُولِيَت الحالاتِ التي أدّت فيها الهجمات إلى سُقوط الكثير من الضحايا من عديدِ الأطفال؛ واتخذت فيها الهجمات طابعًا متعمّدًا أو عشوائيًّا؛ واستُخدمت فيها أسلحة محظورة بموجب القانون الدولي؛ وتجلّت فيها أنماط مشتركة سبقَ أن استخدامها أطراف النزاع؛ وشُنّت فيها الهجمات على مدارس لم تكن تُستخدم لأغراض عسكرية عندَ وُقوعِ الهجوم.

يُثبِتُ التّقرير المُعنونُ "لم نتوقّع أبدًا أن نُقصَف" أنَّ الدمار الذي ألحقته حكومة الرئيس بشّار الأسد وسائر أطراف النزاع بالمدارس والتلاميذ، ينتهك الكثير من الأحكام الأساسية التي نصَّ عليها القانون الدولي. فقد استُخدمت أسلحةٌ ، كالذخائر العنقودية والقنابل الحارقة، في مناطق سوريّة تتواجد فيها مدارسُ عاملة، علمًا أنّ الكثير من دول العالم تحظّر استخدام هذه الأسلحة، في حين تُعتبر أنواعٌ أخرى منها، كالبراميل المتفجرة، عشوائية في طبيعتها، وذلكَ نظرًا إلى جسامة المعاناة التي يحتمل أن تتسبّب بها. ويتعارضُ استخدام هذه الأسلحة مع الحظر المفروض على الهجمات العشوائية، وهو، حتمًا، غير مناسبٍ قط.

، وففي نهاية المطاف، تقعُ على عاتق الحكومة السوريّة مسؤوليةُ حماية شعبها وبنيتها التحتيّة المدنيّة. ونظرًا إلى كونِ الأطفال هم، في الأصلِ، من بين أكثرِ أفرادِ المجتمع ضعفًا وتزِيدُهم النّزاعات ضعفًا، يَمنحهم القانون الدولي الحماية العامة على اعتبارهم مدنيين بالإضافة إلى الحماية الخاصة على اعتبارهم أفرادًا ضعفاء. هذا وتنتسبُ سوريا إلى اتفاقية حقوق الطفل، وهي تلتزمُ، بموجب دستورها الصّادر في العام 2012، أن "تحمي... الطفولة، وترعى النشء والشباب، وتوفّر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم".

غير أنّ التقرير خلص إلى عدد من المؤشرات التي تدلّ جليًّا على أنّ الهجمات متعمّدة، بما في ذلك استخدام الصواريخ الموجّهة؛ ومعرفة مواقع المدارس؛ واستطلاع المواقع ورصدها ومراقبتها قبل وقوع الهجمات؛ بالإضافة إلى الهجمات المتسلسلة على أكثر من مدرسة أو مجمّع مدرسيّ في تتابع سريع في اليوم نفسه؛ الهجوم على المدرسة نفسها في مراحل مختلفة من النزاع.

ويهدف كُلٌّ مِن حظر الهجمات العشوائية ومبدأ التناسب إلى توجيه السلوك العسكري، بما في ذلك حملات القصف الجوي، الشائعة في النزاع السوري. ومع ذلك، تتّخذ الهجمات على المدارس طابعًا عشوائيًّا بحسبِ ما يُبرزه التقرير بوضوح من خلال دراسةِ عددٍ من العوامل. فعلى سبيل المثال، أُصيبت مدارس كثيرة نتيجة القصف واسع النّطاق الذِّي شُنَّ على مناطق مدنيّة مكتظّة بالسكان. وفي حالات كثيرة، يُستَبعَدُ أن يكون القادة المسؤولون قد أخذوا في الاعتبارِ احتمالَ وقوع خسائر في أرواح المدنيين قبل تنفيذ الهجوم، نظرًا إلى أنَّ الأسلحة المُستخدمة تجعل الحدّ من الضرر الذي سيلحقُ بالمدنيين أو السيطرة عليه أمرًا مستحيلًا عمليًا. فمثلًا، لقد استخدمت الحكومة السورية وحلفاؤها الصواريخ والقذائف ومجموعة من الأسلحة الأخرى التي تُلقى من الطائرات ويصعب توجيهها أو الحدّ من تأثيرها المحتمل. ونظرًا إلى أعدادِ المدارس التّي وقعت عليها الهجمات وإلى نطاقِ ما خلّفتهُ هذه الهجمات من وفيات ودمار، يستبعد التقرير أن يكون المقاتلون غافلينَ عن وقوع ضحايا في صفوف المدنيين.

الجانب الإنساني من النزاع: تقييم آثار الهجمات في حيوات السوريّين

أدَّى تدمير المدارس واسع النطاق على امتداد الأراضي السّورية إلى عواقبَ لا حصر لها على البلد وعلى مواطنيه المدنيين. أمَّا نتائج المقابلات ونقاشات مجموعات التركيز التي أُجرِيت من أجلِ هذه الدراسة فتُلقِي الضوءَ على عددٍ من هذه الآثار الرئيسة، التّي أرخت بظلالها على تجارب التلاميذ والمعلمين وغيرهم من الأفراد، وذلكَ قبل وقوع الهجمات وخلاله وبعده. وفي طبيعة الحال، سيُفَاقِمُ الوقت المشقّات والأضرار طويلة الأجل التي يُعانيها المتضرّرون، لا سيّمَا في حالِ لم تتوقّف أعمال العنف في القريب العاجل.

وَمن جُملَةِ النَّتائج المُهمّة التي يُشير إليها التّقرير، مسألَةُ الدقة التي تَوَخَّاهَا الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات أثناءَ تحدّثهم عن الخطوات الكثيرة التي اتّخذتها المدارس والمجتمعات المحليّة وترمي إلى ضمان حصول الأطفال على أفضل تعليم ممكن في ظُلِّ الظروف القائمة، وعلى الرغم من أهوالِ النّزاع الدائر حولهم. إذ تتّخذُ المدارس الإجراءات اللازمة لتكون على أهبّة الاستعدادِ لوقوع هجوم في أي وقت مُمكن، وهو واقعٌ عمليّ ومحزنٌ في آنٍ معًا، إذ إنّه يشيعُ شعورًا باعتياد النزاع. وبدلًا من أن يتسنّى للمدارس التركيز على تعليم الشباب – وهو مسعًى على قدر من التعقيد والأهمية في أيّ سياقٍ كان– فهي تُجري تدريبات على الإخلاء وتعمل على تجهيز أجنحة استشفائية. وبدلًا من أن تأملَ المجتمعات في انتهاء أعمال العنف، سلّمت مرغمةً بضرورة السعي إلى تخفيف أضرار الهجمات المستقبليّة حتميّة الوُقُوع.

و وقد نتجَ عن الهجمات على المدارس، أنْ قُتل مئات المعلمين، وغادر عددٌ كبير منهم البلد، وتوقّف كثيرون غيرهم عن الذهاب إلى العمل. ، إلى ذلك، يُعِيقُ تضرّر البنية التحتية لقطاع النقل إمكانيّةَ الوصول إلى المدرسة، ومن شأنِ حملات الاعتقالات المستمرة التي تُمارسُ بحقّ التلاميذ والمعلّمين مِمَّن يتمكّنونَ في الوصول إلى المدرسة ويُعتقد بأنّهم يشاركون في الاحتجاجات المناهضة للحكومة، أنتُفاقم مخاوف وقوع هجمات مستقبليّة. هذا ويحجمُ الأهالي الخائفُونَ عن إرسال أولادهم إلى المدرسة خشيةَ وقوع مزيدٍ من أعمالِ العنف، وهو الأمرُ الذِّي يُوسِّعُ الفجوة التعليميّة ويزيدُ أبناءَ "الجيل الضائع" من السوريّين الذين لم يعرفوا سوى النزاع في نشأتهم، ولم يتلقّوا قدرًا يُذكر من التعليم. وقد كانَ للخوفِ هذا تأثيرٌ أكبر في الفتيات منه في الفتيان، وأدّى إلى ارتفاع معدّلات زواج القاصرات، ومَرَدُّ ذلك إلى سعي الأهالي إلى إيجاد خيارات بديلة لأولادهم. ومن ناحية أخرى، أعرب بعض الأهالي عن تخوّفهم من ميل أبنائهم، لا سيّما الفتيان منهم، إلى التطرّف وذلكَ نظرًا إلى أنَّهم عاشُوا في ظلِ أجواء مشحونة بالعنف وإلى كونِ ارتياد المدرسة خيارًا غير متاحٍ لهم.

ولا ينتابُ الأهل وحدهم شُعُورٌ بالخوف على أبنائِهم، فالتّلاميذُ والمعلّمون على حدّ سواء تحدثوا عن تعرّضهم لصدمات نفسيّة بسبب هجمات السّابقة، وعن خوفهم الشديد من الذهاب إلى المدرسة بعد أن فقدُوا أطرافهم أو بعدَ أن رَأؤوا أصدقاءهم يموتون أمامَ أنظارهم. وقد تواترَ الحديثُ عن التّأثير الأبديّ المُترتّب عن بتر الأعضاء ؛ والأمر سيَّان بالنسبة إلى الصدمات النفسية والعاطفية الشديدة التي تعرّض لها التلامِيذ والمعلّمون على حدّ سواء.

وتُعدُ مسألة المناهج الدراسية واحدةً من المسائل الشَّائكة العديدة التي تُرهق تفكير السوريّين، بما في ذلك المنظّمات المعدّة للتقرير، وذلك بناءً على تجارب أفرادها على اعتبارهم سوريّين وناشطين.. ففي المناطق التي لا تزال المدارس فيها عاملة، بدأت المناهج الدراسية تختلف من منطقةٍ إلى أخرى وتخضعُ لأهواء الأطراف المسيطرة في كُلٍّ منها. وتشهدُ سائرُ المناطق السّوريّة هذه الظّاهرة آنفة الذّكر، وهي تبلغُ هذه الظاهرة أوجها في المناطق الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشّام (الذّي يُعرف شُيوعًا باختصار داعش) والجماعات التابعة لتنظيم القاعدة. لذا، لا بدّ من بدء العمل فورًا على توحيد المناهج المتفاوتة والمسيَّسة، وعلى تزويدها بمعلومات موثوقة لا تتعلّقُ بالنزاع وحسب، بل تشمل كذلك عقودَ القمع وغيرها من الأسباب الجذرية التي سبقته وشكّلت أرضًا خصبة لنُشُوبِهِ. ويجبُ على سوريا أن تتدَبَّرَ مهمّة نقل وجهات نظر الأطراف والضحايا جميعهم؛ وتعليم قيم الحقّ والعدالة والاعتراف بالآخر والتعايش السلمي، ليحلَّ ذلكَ محلَ الآراء المتحيّزة، والهيمنة، ووجهات النظر الأحادية الجانب، التي كانت من قبل.

على الرغم من كلِّ ما تقدّم، وفي موازاة الصورة القاتمة عن الحياة داخل الأراضي السّورية، التّي رسمها المشاركون في المقابلات ونقاشات مجموعات التركيز، ترتسم ملامح صورة أخرى، صورةٌ تعكس بصيصَ أملٍ والقدرة على التحمّل والتفاني الواضح في سبيل التعليم ورفاه الأطفال والشباب في سوريا. وقد تطرّق الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات إلى النّهج الاستباقي الذي اتّبعته المجتمعات المحليّة على أكثر من صعيد، وتمثّل في طرق متعددة تُمكّنها من القيامِ بما في وسعها فعلُه، وذلكَ من خلال الجهود المحليّة التي تؤول، على سبيل المثال، إلى تقديم الدعم النفسي الاجتماعي للضحايا أو تنظيم حملات لتحفيز التلاميذ على العودة إلى المدارس. وفي السياق عينه، ذكر معلّمون أنّهم يؤدّونَ وظائفهم من دون تلقّي رواتب وعلى الرغم من التهديدات التي تُحدِقُ بحيواتهم. وتجدرُ الإشارَةُ إلى أنَّهُ في كلِّ المجتمعات التي أُجريت فيها المقابلات وعُقدت فيها نقاشات مجموعات التركيز، أثارَ المشاركون مسألةَ إيجاد طرق بديلة لتوفير التعليم، إمّا في مدارِسَ تحت الأرض وإمَّا مُناوبَةً بين منازل شتَّى، على أنَّها أماكِنُ تؤمّن ولو القليلَ من الأمن، بحيث تُخوِّلُ التّلاميذَ متابعة تحصيلهم العلميّ.

التوصيات

إيقاف الهجمات واحترام المعايير الدولية
إلى أطراف النزاع:
• أولاً وقبل أي شيء آخر، يجب إيقاف كلّ الهجمات على المدارس على الفور. فالحصول على التعليم الآمن والجيّد هو حقّ تتمتّعُ به العائلات والمجتمعات السورية ولا يُوضَعُ موضِعَ تفاوض.
• يجب أن تُقرَّ فورًا قوانينُ محليّة وسياسات عسكرية تحظّر الهجوم على المدارس وتمنع استخدام الأطراف العسكرية المدارسَ أثناء النزاع.
• يجب على سائر الأطراف المنخرطة في النزاع أن تحترم القانون الإنساني الدولي بالكامل، وأن تجنّب السكان المدنيين أخطار النزاع المسلّح وتحميهم منه، وأن تحترم القانون الدولي لحقوق الإنسان بجميع بنوده، ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولها بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة؛ • أُفِيدَ بأنَّ النظام السوري قد ألقَى ذخائر عنقودية كما وقد استُخدمِتَ في معرضِ العمليات الرّوسية-السّورية المشتركة. لذا، يجب على هذين الطرفين، بالإضافة إلى الأطراف الأخرى المنخرطة في النزاع في سوريا، توقيع الاتفاقية ومُصادقتها والتوقّف فورًا عن استخدام هذا النوع من الذخائر.

إلى المنظمات الدولية والدول الأعضاء في الأمم المتحدة:
• يجب وضع شارة مميّزة ومرئية ويمكن التعرف عليها لحماية المدارس من الهجمات، على غرار الشّارات المستخدمة لحماية المستشفيات والمركبات ومقدّمي الخدمات الطبية والإغاثة في النزاعات المسلحة أو لحماية المواقع الدينية ومواقع التراث الثقافي. وفي هذا الصّدد، يجب التوصّل إلى اتفاقية دولية تؤولُ إلى وَضْعِ هذه الشارة المميّزة، وتَقْضِي بِتحديد كيفيّة استخدامها وإمكانيّاته، وبتوضيح الالتزامات المترتبة على القوات المسلحة لاحترام هذه الشارة. ولا بدّ لِشارة القانون الدولي الإنساني هذه أن تمنحَ المدارس والأطفال في النزاع السوري حمايةً خاصةً وأن تضمن الحماية والاحترام اللّذينِ يتمتّعُ بهما كُلٌّ من المدارس والأطفال بموجبِ القانون الدولي. ويُفترضُ بالدُّولِ الموقعة على اتفاقيات جنيف أن تسنّ قوانين محلية وسياسات عسكرية تحظّر الهجمات على المدارس التي ترفع شارة المدرسة المميّزة.

يجب إحالة هذا التقرير إلى الآلية الدولية المحايدة المستقلة من أجل البدء في إجراء تحقيقات كاملة في الهجمات على المدارس في سوريا؛ • يجبُ على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يتّخذ إجراءات فورية ردًا على الهجمات على المدارس، بما في ذلك إحالَة الوضع القائم في سوريا إلى المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية.
يجبُ على جميع الدول الأعضاء التوقيع فوراً على إعلان المدارس الآمنة الذي يدعم تنفيذ المبادئ التوجيهية لحماية المدارس والجامعات من الاستخدام العسكري أثناء النزاع المسلح. بالإضافة إلى أخذ جميع "الأفعال البديلة الممكنة قبل الهجوم" على مدرسة أو جامعة في الاعتبار، بموجب المبدأ التوجيهي 4 (أ)، "قبل أي هجوم على مدرسة أصبحت هدفًا عسكريًا، يجب على أطراف النزاع المسلّح أن يأخذوا في عين الاعتبار حقيقةَ أنّ الأطفال يستحقون لاحترامًا وحمايةً خاصة"، و"الأثر السلبي الطويل الأجل المحتمل على قدرة المجتمع المحلي على التعليم، بعدَ تدمير المدرسة أو الإضرار بها."


إصلاح العملية التعليمية • البدء فوراً بعمليّةِ إعادة بناء وإصلاح تشمل المدارس السورية والنظام التعليمي في أنحاء البلاد كافة.
• بغية ردم الهوّة السّحيقة التي سبّبها النّزاعُ في قطاع التعليم، لا بُدَّ من النّظر في اتخاذ خطوات من شأنها تسريع عملية التّعليم لتعويضِ ما فاتَ منها؛ وإقرار أنواع مُحدّدة من التعليم والتّقييم غير الرسميّة؛ وتقديم الدعم والفرص للتحضير للامتحانات التقييميّة التي لم تُجْرَ أثناء النزاع ولإجرائها على حدّ سواء؛ • يجب أن تشمل عملية السلام إعادة تقييم المناهج الدراسية الوطنية تقييمًا صارمًا وإصلاحها وذلكَ من أجل منح كلّ تلميذ نوعية التعليم نفسها وتدريس مادة التاريخ بطريقة غير متحيزة فلا تمجد هذا الطرف أو ذاك، بل تقدّم حقائق بيّنة وتُعلي أصوات الضحايا وتُسلّط الضَّوءَ على قصص العدالة والسلام والتعايش.
• يجب أن يحظَى المعلمون الذين لا يزالُونَ في سوريا بالدّعم والحماية اللّازمَيْن. ويشمل ذلك ضمان تحصيلهم رواتبهم بأمانٍ وعدم تعرضهم للمضايقة والهجوم بالإضافة إلى دعم المدارس لكي تتزَوَّدَ بالمواد الملائمة وتنعمَ بظروفٍ آمنة للتدريس.
• لا يُعرف الكثير عن أوضاع التّلاميذِ ونظام التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة داعش. وعليه، تبرُزُ الحاجةُ إلى إجراءِ مزيدٍ من البحوث وربما تحقيقٍ كاملٍ من أجل معالجة أي أضرار خاصّة أو آثار إضافية تترتّب عن الانتهاكات التي ترتكب في هذه المناطق.
الاعتراف واتّخاذ التدابير الإصلاحية • يجب على الحكومة السورية والأطراف الأخرى المتواطئة في الهجمات على المدارس أو المسؤولة عنها - بما في ذلك الجماعات المسلحة غير التابعة لدولةٍ ما والجهات الأجنبية التي تشارك مباشرة في الهجمات - أن تصدر اعترافًا عامًا تُقِرُّ بموجَبِهِ بالأضرار التي ألحقتها بالمدارس والأطفال والمعلمين والأهالي والعائلات والمجتمعات. كما يجبُ عليها إصدار اعتذار علني شامل من جميع ضحايا هذه الهجمات.
• يجب أن يُعتبرَ تقديم الدعم النفسي والاجتماعي أولويةً فورية، وحاجةً طويلةَ الأجل، على اعتبارِ أنَّهُ يشكّلُ جزءًا من إجراءات الإغاثة وجبر الضّرر.
• يجب أن تراعي برامج جبر الضرر الخسائر الهائلة في قطاعِ التعليم، كما يجب أن تتضمَّنَ بعض الخطوات المذكورة أعلاه – ومنها تسريع عملية التّعليم لتعويضِ ما فاتَ منها؛ وإقرار أنواع مُحدّدة من التعليم ونظام الأرصِدَة الدّوليّة؛ وتقديم الدعم والفرص للتحضير للامتحانات التقييميّة التي لم تُجْرَ أثناء النزاع ولإجرائها على حدّ سواء، وغير ذلكَ مِن أشكال المساعدة التعليمية وربما المهنية، التي تُحدَّدُ بناءً على تقييم احتياجات الضحايا تقييمًا شامِلًا.
• شاعَت بَين صُفُوف الضّحايا حالات فقدِ الأطراف جرَّاءَ أعمال العنف والهجمات. وعليه، يجب أن يُوفَّرَ للضحايا الدعم الطبي طويلَ الأجلِ وإعادة التأهيل الموارِد الماليّة اللّازمة لتأمين الأطراف الاصطناعية - بما في ذلك تقديم البدائل اللازمة إلى حين اكتمالِ نُمو الأطفال.
• يجب منحُ المعلّمين المُحفّزات التي تحثّهم على العودة إلى سوريا. أمّا بالنسبة إلى الأشخاص الذين باشروا التعليم في سياقات غير رسمية، فيجب وضع برنامج تأهيليّ معجّل يَسْمَحُ بالاستفادة من خبراتهم هذه ويُخوّلَهم أن يصبحوا مُعلّمين مُحترفين