© UNICEF/UNI162757/Ali

 

النزاع السوري:
القمع والاحتجاجات والنزاع

النزاع السوري: القمع والاحتجاجات والنزاع

بدأ النزاع المسلّح في سوريا على شكل انتفاضة شعبية ضد نظام بشار الأسد في شهر آذار/مارس 2011. تطورت‏ هذه الانتفاضة إلى نزاع مسلح واسع النطاق ضد معارضة مسلحة ثم إلى نزاع معقّد تشارك فيه عدد من الجهات الفاعلة الحكوميّة وغير الحكومية، فضلًا عن مجموعة من القوى الدوليّة المتحالفة معها.

‏تعود جذور هذا النزاع إلى عدة عقود من التاريخ القمعي لكل من بشار الأسد ووالده من قبله أدى إلى قيام دولة استبدادية شاعت فيها أساليب التعذيب والاعتقال السياسي وقمع الحريّات المدنيّة، وقد سهّل تلك الممارسات قانونُ الطوارئ الذي طُبّق طوال قرابة خمسة عقود.

‏في منتصف شهر شباط/فبراير 2010 بلغ التوتر في سوريا درجة الغليان حين جرى توقيف 15 طفل في درعا بعد اتّهامهم برشّ شعارات مناهضة للنظام على جدار إحدى المدارس. ‏وقد دعت العبارة المكتوبة على عجل - "أجاك الدور يا دكتور" – إلى إبعاد بشّار الأسد عن السّلطة، في إشارة إلى التحرّكات الأوسع نطاقًا الداعية إلى التغيير الديمقراطي التي كانت تجتاح المنطقة، في كلّ من تونس وليبيا ومصر واليمن. أُخضع الفتيان لأساليب استجواب قاسية انطوت على الضرب والإحراق والوضعيّات المؤلمة والصّعق بالصدمات الكهربائية. وقد نزِل أقارب الأطفال المعتقلين وأصدقاؤهم إلى الشوارع للمطالبة بإطلاق سراحهم.

picture

مع مرور الوقت تصاعدت الأحداث وردة فعل الحكومة أصبحت عنيفة. في مارس/آذار 2011 تنامت حدّة الاحتجاجات. احتشد المحتجّون في باحة المسجد العمري في درعا البلد في محافظة درعا، حيث نصب بعضهم الخيام وتعهّدوا بالبقاء هناك إلى حين تلبية مطالبهم، فردّت الحكومة بقطع التيّار الكهربائي وخطوط الهاتف عن المنطقة، ثمّ أطلقت قوّات الأمن الغاز المسيل للدّموع وفتحت النّار على المتجمّعين، ما أسفر عن مقتل قرابة ستّة مدنيّين.‏ ويبدو أنّ هذا الاستخدام السّافر للقوّة القاتلة ضدّ المحتجّين السلميّين فتح الباب أمام التصاعد السريع للاحتجاجات ولحدّة استجابة الحكومة في الأيام التالية.

 

خلال السنة الأولى من الاحتجاجات، حاولت السلطات إبقاء الوضع تحت السيطرة. ومن جملة تدابير المصالحة الجزئية، أصدرت الحكومة مرسومًا قضى بخفض الضرائب ورفع مرتّبات الموظّفين الحكوميّين. وبتاريخ 21 نيسان/أبريل 2011، أعلنت الحكومة إلغاء قانون الطوارئ الذي كان نافذًا طوال 48 عامًا، وأصدرت تشريعات جديدة نصّت على حقّ المشاركة في التظاهرات السلميّة.

 

ولكن في مراحل أخرى من الاحتجاجات، أجّجت السلطات الوضع‏ وفرضت عقوبات جماعية على المناطق التي تحدث فيها التظاهرات ‏وقامت باعتقالات جماعية كأسلوب ترهيبي. ‏وكان من بين الموقوفين خلال أحد الاحتجاجات بتاريخ 29 نيسان/ابريل قرب درعا، حمزة علي الخطيب 13 سنة، والذي أفرج عن جثمانه المشوّه بعد شهر. وبعد انتشار مقطع ڤيديو لجسمه المعذب على الفايسبوك، انتشر خبر تعذيبه وموته وانطلقت احتجاجات تحمل اسمه في أرجاء سوريا.

 

‏الحكومة السورية بدعم من الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة والاتحاد الروسي تقاتل عدداً من مجموعات المعارضة المسلحة وبعض الأطراف المتنازعة الاخرى، بمن فيها الجيش السوري الحر، جبهة النصرة، تنظيم داعش، والأكراد  المعروفون بوحدات حماية الشعب.

قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً ضد تنظيم داعش مؤلفاً من أكثر من 12 دولة - بريطانيا، فرنسا، السعودية، استراليا، الإمارات العربية المتحدة وهولندا والاْردن – شارك التحالف بحملة جوية ضد تنظيم داعش في سوريا كما قامت تركيا بإرسال قوات برية لقتال تنظيم الدولة الإسلامية.

 

على مدى فترة النزاع، تغيّرت أعداد وأدوار الجهات الفاعلة الحكوميّة وغير الحكوميّة التي قامت بعمليّات قتاليّة في سوريا. وشملت هذه الجهات، على سبيل الذكر لا الحصر، القوّات المسلّحة السوريّة، وروسيا، والولايات المتّحدة الأميركية، وحزب الله، والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، والسعوديّة، وتركيا، بالإضافة إلى عدد من الميليشيات الموالية للحكومة، والجيش السوري الحرّ، وجبهة التحرير الإسلامية السورية، ووحدات حماية الشعب، وحركة أحرار الشام، وحركة نور الدّين الزنكي، ولواء شهداء الإسلام، وألوية أحفاد الرّسول، وتنظيم الدّولة الإسلاميّة في العراق والشّام (المعروف اختصارًا بـ"داعش")، وجبهة النصرة.

وقد أُدرجت سبع من تلك الأطراف في ملاحق تقارير الأمين العام للأمم المتّحدة السنويّة حول الأطفال والنزاعات المسلّحة، ضمن قوائم مرتكبي انتهاكات جسيمة بحقّ الأطفال، حيث ورد اسم القوّات المسلّحة الحكوميّة، بما في ذلك قوّات الدفاع الوطني والميليشيات الموالية للحكومة، وداعش، على وجه التحديد لتنفيذها هجمات على المدارس والمستشفيات.

الهجمات على المدارس في سوريا

aa

لم يمض وقت طويل حتى وصل العنف إلى المدارس السورية. ففي أوائل عام 2011، أفادت الأمم المتحدة أن المدارس تُستخدم "كمنشآت عسكرية وقواعد مؤقتة ومراكز احتجاز ومراكز للقناصة ومراكز للتعذيب واستجواب البالغين والأطفال على حد سواء". كما أشار التقرير إلى أن الأطفال قُتلوا أو جُرحوا على أرض المدرسة. تم الإبلاغ عن مقتل العديد من الأطفال بنيران القناصة على المدارس، كان بينهم فتاة في الخامسة عشرة من عمرها في القصير.

وتفيد التقارير أن الغارات الجوية، التي أضبحت في نهاية المطاف الوسيلة الأبرز للهجوم التي تستخدمها الحكومة السورية ضد المدارس، قد بدأت في نهاية عام 2011. ومع دخول أطراف جديدة في النزاع، ساءت حصيلة القتلى من المدنيين الأبرياء، بما في ذلك الأطفال.

ﻭﻭﻓﻘﺎﹰ ﻟلشركاء في مشروع "أنقذوا المدارس السورية"، فقد ﺗﻌﺮضت 16 مدرسة ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 2011 ﻟﻠﻬﺠﻤﺎﺕ ﻓﻲ ﻣﺤﺎفظات ﺣﻤﺎة ﻭﺩﺭﻋﺎ ﻭحمص وإدلب. ﻭ مع اشتداد النزاع، ازداد هذا العدد، وأصبح 329 مدرسة في عام 2012 و268 مدرسة في عام 2013. وفي عام 2014، انخفض العدد إلى 109 مدارس وارتفع مجدداً خلال الفترة ما بين 2015-2016 بعد التدخل العسكري الروسي المباشر، إلى 178 في عام 2015 و242 في عام 2016. وفي عام 2017، تعرضت 150 مدرسة على الأقل لهجوم.
من خلال هذه الأرقام يكون الرقم الإجمالي للمدارس التي تعرّضت للهجوم في المناطق المذكورة هو حوالي 1،292 مدرسة.

بطبيعة الحال، من المستحيل الحصول على أرقام نهائية نظراً إلى أن عدد المدارس المتأثرة يتغير يومياً تقريباً. ويخلص تقرير صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن في 23 نيسان/أبريل 2014 إلى أن حوالي 4972 مدرسة أُغلقت أو تضررت أو استخدمت كمأوى للنازحين نتيجة للنزاع. بعض المصادر تشير إلى أن هذا الرقم أكبر بكثير.

Pic

نظام التعليم في سوريا قبل وبعد 2011

pic

اليوم، الصورة مختلفة تمامًا. انخفضت نسبة الطلاب في المدارس الثانوية من 98٪ في عام 2011 إلى 57٪ فقط في عام 2012. في العام الدراسي 2015 - 2016 ما لا يقل عن 2.3 مليون طفل سوري داخل سوريا والدول المجاورة خارج المدرسة ولا يزال 1.3 مليون آخرون في خطر التسرب من المدرسة. أكثر من مدرسة واحدة من بين كل ثلاث مدارس في سوريا غير جاهزة حاليًا، سواء بسبب تدميرها أو تحويلها إلى مراكز نزوح، أو استخدامها لمهام عسكرية.

كما تعاني المدارس التي لا تزال قيد الاستخدام من نقص هائل في المعلمين واللوازم، وتواجه تحديات فيما يتعلق بالمياه، والصرف الصحي، وشروط النظافة. وتقدر التكاليف المباشرة لإعادة بناء البنية التحتية التعليمية المتضررة والمدمرة في البلد بحوالي 1.3 إلى 3.2 مليار دولار. لكن وبالتأكيد، التكلفة البشرية هنا غير قابلة للقياس.

لم يقتصر الضرر الحاصل للأطفال السوريين على تضرر المدارس فحسب. عموماً، البارز في الصراع هو ضخامة عدد الأطفال المتأثرين بالعنف، بل أيضًا الطريقة التي وقع هؤلاء الأطفال بها ضحيةً للنزاع المسلّح. أمّا بالنسبة إلى أعداد الضحايا المدنيّين بشكل أعمّ، يخلص تحليل للبيانات المتعلّقة بالنزاع، الذي قدّمه مركز توثيق الانتهاكات في سوريا (وهو من المنّظمات المكوّنة لمجموعة المعلومات والتوثيق)، إلى أنّه حتّى نهاية عام 2016، كان 101,453 مدنيًا سوريًا قد قُتلوا بالعنف المُباشر. ويُمثّل هذا العدد 70.6٪ من العدد إجمالي حالات الموت العنيف المرتبطة بالنزاع. أمّا نسبة الأطفال من ضمن هذه الأرقام الأشمل فقد ارتفعت بصورة مطّردة من 8.9٪ من مجموع وفيّات المدنيّين في عام 2011، لتسجّل مستوى مقلقًا بلغ 23.3٪ في عام 2016. وبصورة إجماليّة، يعني ذلك أنّ حوالى 17,401 طفل قُتِلوا بسبب العنف المباشر، الذي يشمل بحسب التقرير "الإصابات الناجمة عن أساليب العنف التي تستخدمها الأطراف المتحاربة".